بين الفرح والخوف والترقب.. فنزويليون يغادرون وطنهم بعد سقوط مادورو

بين الفرح والخوف والترقب.. فنزويليون يغادرون وطنهم بعد سقوط مادورو
عنصر أمني في أحد شوارع فنزويلا

عند جسر سيمون بوليفار الدولي الذي يربط فنزويلا بكولومبيا، بدت مشاعر العابرين متناقضة بوضوح، بين فرح حذر بسقوط نظام حكم استمر سنوات طويلة، وخوف عميق على أحبائهم الذين بقوا داخل البلاد، وقلق من مستقبل غامض بعد تطورات عسكرية قلبت المشهد السياسي رأساً على عقب.

وأنهى فنزويليون يعملون ويعيشون في الخارج زياراتهم العائلية على عجل، مغادرين البلاد وهم يتلفتون إلى الوراء وكأنهم يودعون مرحلة لا يعرفون ما الذي سيأتي بعدها.

ووفقاً لما نقلته وكالة فرانس برس، اليوم الأربعاء، جاء هذا المشهد في أعقاب هجوم عسكري أمريكي أدى إلى الإطاحة بالرئيس اليساري نيكولاس مادورو، في حدث غير مسبوق هز الداخل الفنزويلي وأثار ردود فعل إقليمية ودولية واسعة، خصوصاً مع إعلان تولي ديلسي رودريغيز منصب رئيسة بالوكالة بعد أدائها اليمين الدستورية يوم الاثنين.

قلق وخوف وترقب

رغم احتفال كثيرين بنهاية حكم مادورو، فإن مشاعر القلق لم تغب عن المشهد، فتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي حذر فيها من أن تواجه ديلسي رودريغيز المصير نفسه أو ما هو أسوأ إذا لم تمتثل لمطالب واشنطن زادت من مخاوف الفنزويليين من مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، فبالنسبة لكثيرين، لا يعني سقوط رئيس بالضرورة بداية عهد آمن، بل قد يكون تمهيداً لصراعات أشد وتعقيدات سياسية وأمنية أوسع.

يتداخل القلق من تدخل أمريكي إضافي مع مخاوف داخلية من احتمال قيام أطراف مرتبطة بالإدارة التشافيزية بالانتقام من أي شخص يشتبه بدعمه لإطاحة مادورو، وهذا الخوف دفع العديد من المواطنين إلى التزام الصمت، سواء داخل فنزويلا أو عند عبورهم الحدود، حيث فضل كثيرون عدم الإدلاء بآرائهم علناً.

إيفلين كارديناس مهندسة معمارية تبلغ 57 عاماً، تعيش في تشيلي منذ 9 سنوات، كانت من بين العشرات الذين تجمعوا لعبور الجسر سيراً على الأقدام. جرّت حقيبة سفر كبيرة، في حين كان زوجها يسير خلفها بصمت، ما إن وصلت إلى الجانب الكولومبي حتى تنفست الصعداء، وقالت إن الفنزويليين يشعرون بالسعادة، لكنهم لا يستطيعون التعبير عن ذلك علناً داخل البلاد، بالنسبة لها كان عبور الجسر لحظة أمان سمحت لها بالكلام دون خوف.

عادت كارديناس إلى مسقط رأسها في مدينة سان كريستوبال لقضاء عطلة عيد الميلاد ورأس السنة مع عائلتها، لكنها وجدت نفسها شاهدة على واحدة من أكثر اللحظات دموية في تاريخ البلاد الحديث، عندما استيقظت كراكاس على سلسلة انفجارات في ساعات الصباح الباكر من يوم السبت، وأسفرت تلك الانفجارات عن مقتل 55 جندياً فنزويلياً، بحسب ما أعلنت حكومتا فنزويلا والولايات المتحدة.

صدمة وعدم تصديق

تقول كارديناس إنها ما زالت غير قادرة على استيعاب ما جرى، وبينما كانت تستعد للعودة إلى سانتياغو عبر رحلة تجمع بين الحافلة والطائرة، بدت كلماتها مثقلة بالدهشة، وتأمل أن تقود هذه التطورات إلى شيء إيجابي على المدى البعيد، وأن تخرج فنزويلا من ظلام الانهيار الاقتصادي والقمع السياسي، لكنها في الوقت نفسه تفضل أن تكون بعيدة عن البلاد في هذه المرحلة المضطربة.

على الجانب الآخر من الجسر، عبّر والتر مونسالفي، وهو مدرس يبلغ 55 عاماً ويعمل على جانبي الحدود، عن صدمته مما حدث، قال إن ما جرى لم يكن يجب أن يحدث أبداً، أياً كانت المبررات، مشبهاً الهجوم الأمريكي بشخص يقتحم منزلاً بالقوة. بالنسبة له، الشعور السائد بين الجيران وأفراد العائلة هو الخوف مما سيأتي لاحقاً، وليس فقط من الحدث نفسه.

مونسالفي تساءل أيضاً عن دور الأمم المتحدة والهيئات الدولية، معتبراً أن هذه المؤسسات تبدو عاجزة عن وقف مثل هذه التطورات الخطرة، وهذا الشعور بعدم الحماية الدولية يتردد على ألسنة كثيرين يرون أن فنزويلا أصبحت ساحة مفتوحة لتجاذبات كبرى يدفع ثمنها المدنيون.

صمت وحذر بين العابرين

كثير من الفنزويليين يعبر بشكل شبه يومي إلى مدينة كوكوتا الكولومبية للتسوق أو العمل بسبب انخفاض الأسعار، لكن في هذه الأيام يسود الحذر، وقد امتنع عدد كبير منهم عن إبداء أي رأي خوفاً من العواقب، أحدهم اكتفى بالقول إن الأمور تبدو غريبة وغير مطمئنة داخل فنزويلا، دون أن يضيف شيئاً آخر.

وسط هذا المشهد القاتم، عبّرت كايليغ خيمينيز، وهي تلميذة تبلغ 16 عاماً، عن أملها في أن تستقر الأوضاع قريباً، ليتمكن الأقارب والأصدقاء الذين غادروا البلاد من العودة، وعكست كلماتها توق جيل شاب لحياة طبيعية بعيداً عن السياسة والحروب والانقسامات.

وتشير التقديرات إلى أن نحو 8 مليون فنزويلي غادروا بلادهم خلال السنوات الأخيرة، هرباً من الأزمات الاقتصادية والسياسية المتلاحقة، وتستضيف كولومبيا النسبة الكبرى من هؤلاء، ما جعل الحدود بين البلدين واحدة من أكثر مناطق العبور ازدحاماً في أمريكا الجنوبية.

تزامن ذلك مع وصول أعداد كبيرة من الصحفيين من مختلف أنحاء العالم لتغطية ما يعد أكبر حدث إخباري دولي منذ بداية هذا العام، ورغم هذا الاهتمام، فإن قلة من الصحفيين تمكنت من عبور الحدود إلى داخل فنزويلا، بسبب القيود المفروضة وصعوبة الحصول على تأشيرات دخول من القنصلية الفنزويلية في كوكوتا.

ضغوط على الإعلام

من جانبها، أعلنت نقابة الصحافة الفنزويلية يوم الثلاثاء توقيف 16 من العاملين في مجال الإعلام خلال الجلسة الأولى للبرلمان المنتخب حديثاً، ورغم الإفراج عنهم لاحقاً، فإن الحادثة أثارت مخاوف جديدة بشأن حرية الصحافة ومستقبل العمل الإعلامي في البلاد خلال المرحلة الانتقالية.

وتعاني فنزويلا منذ أكثر من عقد من أزمة متعددة الأبعاد، تشمل انهياراً اقتصاديا حاداً، وتضخماً قياسياً، ونقصاً في المواد الأساسية، إلى جانب توترات سياسية حادة بين السلطة والمعارضة، وأدت هذه الأوضاع إلى موجات نزوح غير مسبوقة، جعلت الأزمة الفنزويلية واحدة من كبرى أزمات الهجرة في العالم.

ومع التطورات الأخيرة وسقوط نيكولاس مادورو وتولي قيادة انتقالية بدعم أمريكي، تدخل البلاد مرحلة جديدة محفوفة بالمخاطر، تتقاطع فيها تطلعات التغيير مع مخاوف الفوضى والانتقام والتدخلات الخارجية، في حين يبقى المدنيون هم الحلقة الأضعف في معادلة معقدة لم تتضح ملامح نهايتها بعد.



موضوعات ذات صلة


ابق على اتصال

احصل على النشرة الإخبارية